-->

مجلة تغريدات النوارس ...... صحيفة الكترونية ..... ادبية ... فنية ..... ثقافية

الغريب .... بقلم :خالد العرفي... مجلة تغريدات النوارس

 الغريب .... بقلم :خالد العرفي... مجلة تغريدات النوارس

     








     الغريب .... بقلم :خالد العرفي... مجلة تغريدات النوارس


    ( الغريب .. ) **: قصة قصيرة
    ________________ بقلم / خالد العرفي


    خالد العرفي



















    ثمةُ مخلوقاتٌ تولد في المكان الصحيح، لكنها تمضي عمرها كله تبحث عن مكانٍ آخر؛ لأن شيئًا غامضًا في داخلها يظل يدفعها إلى بابٍ ليس بابها، وإلى رفقةٍ لا تشبهها. وليست كلُّ الكائنات تعرف مكانها في الحياة؛ فثمّةُ من يولد بين قطيعٍ، لكنه يظلُّ ينظر إلى جهةٍ أخرى، كأن قلبه أخطأ الطريق منذ البداية. وقد نظن، ونحن نراقبه، أنه مجرد مخلوقٍ شاردٍ لا يعرف ما يريد، بينما يكون، في صمته وحيرته، أكثر صدقًا منا جميعًا. ومن بعيد، يبدو الأمر مضحكًا، حتى إذا انقضت الحكاية، اكتشفنا أننا لم نكن نضحك على ذلك الكائن، بل على عجزنا عن فهمه. فالغرباء يقضون أعمارهم كلها يحاولون أن يجدوا لأنفسهم مكانًا في عالمٍ لم يُخلق لهم، ثم يرحلون، تاركين وراءهم فراغًا لا يملؤه الهدوء، ولا يفسره العقل. ولعل أكثر الحكايات بقاءً في الذاكرة ليست تلك التي صنعها الأبطال، بل تلك التي تركها كائنٌ صغير، مرَّ عابرًا في حياتنا، ثم مضى... ولم نفهمه إلا بعد أن غاب.
    وسط المزرعة، في آخر قطعة أرض اشتراها من صديق له بالساحل الشمالي، كان هناك جرن ماء. وقد حرص صاحبه على ألا تكون جوانبه مرتفعة، وأن يكون بعيدًا عن حظيرة الماشية، مسطحًا غير عميق، بحيث تستطيع كل دجاجة أن تشرب منه في يسر.
    إلا أن الدجاج لم يهنأ طويلًا بهذا الحوض.
    ففي حظيرة الأغنام المجاورة كان يعيش كبش أسود، يختلف عن بقية القطيع. ولسبب لم أفهمه يومًا، كان يتسلل كل صباح إلى حوض الدجاج، كأنه يظن نفسه دجاجة مثلها. يخيفها بقرنيه المكسورين، ويزعجها بثغائه؛ مرةً متقطعًا، وأخرى متواصلًا، كأن به مسًّا من جنون... حتى ظننت يومًا أنه سيبدأ في (النقنقة والقوقأة) بدلًا من الثغاء.
    وكان، كلما انتهى الدجاج من الشرب، يبقى وحده أمام الحوض لحظات، كأنه نسي لماذا جاء.
    استدعيت طبيبًا بيطريًا، لعل به علة، فلم يفلح في شيء. قال لي ضاحكًا:
    ـ أتخشى أن ينزو على إحداهن فتفطس؟
    قلت:
    ـ لا... ولكني أرى الدجاجات أذكى منه. كانت تحتال عليه لتنقذ نفسها. تنقسم قسمين؛ يراود القسم الأول، فيجري خلفه، بينما يشرب القسم الثاني في هدوء. ثم يتبادلان الأدوار، ويتركان الكبش ينطح جدار الحوض، كأنه يخوض معركة لا يدري كيف بدأت.
    ومسكين الكبش... لم يكن يعرف أن وراء المزرعة حوضًا آخر كبيرًا، تعرفه الدجاجات وحدها. كانت تذهب إليه مع أفراخها وصيصانها، بعيدًا عن ثغائه، ورفسات أظلافه، كلما اندس بينها.
    وكنت أستمتع كل صباح بهذه الحرب المضحكة بين الكبش والدجاج... ولم يخطر ببالي يومًا أنني سأفتقد أحد طرفيها.
    وذات يوم، قال لي أحد الأعراب من الجيران، وهو يضحك:
    ـ إخصيه يا بك... أو أبيعك نعجة تؤنس وحشته. خلّص نفسك من هوسه بالدجاج، وستلهيه النعجة حتى الأضحى.
    فضحكت وقلت:
    ـ لا... أنا أحب أن أراه دائمًا بين الدجاج. يسليني. لعلني يومًا أصبح فأجد له عُرف ديك بدلًا من قرنيه اللذين فقدهما نطحًا في الجدار... أو نحصل منه على ريش ملون نحشو به وسادة لضيوف المزرعة، بدلًا من جز صوف ظهره ورقبته.
    وتبادلنا الضحك مع عامل المزرعة، وهو يربط الكبش في حلقته أمام العليق، بحبل طويل في رقبته، يعقله حيث ذهب، متوكلين على الله.
    وفي صباح تالٍ، خرجت كعادتي أفتش بعيني عن الكبش.
    لم أجده عند الحوض...
    ولا أمام العليق...
    ولا في المكان الذي اعتاد أن يجر فيه حبله خلفه.
    سألت عامل المزرعة، فقال في هدوء:
    ـ بعناه أمس يا باشا...
    نظرت إلى الحوض الصغير.
    كانت الدجاجات تشرب في سكينة لم أعرفها من قبل. لا جلبة، ولا رفرفة مذعورة، ولا دجاجة تنقسم قسمين لتخدع الكبش، ولا ثغاء يقطع الصباح.
    انتهى كل شيء كما كان ينبغي أن ينتهي...
    لكن شيئًا ما في المزرعة بدا ناقصًا.
    وقفت طويلًا أحدق في الماء. لأول مرة شعرت أن الهدوء ليس دائمًا علامة على السعادة، وأن بعض الفوضى كانت تمنح المكان حياةً لا ننتبه إليها إلا حين ترحل.
    أدركت متأخرًا أن المزرعة لم تكن تفتقد الكبش وحده...
    بل كانت تفتقد الضجيج الذي كان يمنحها قلبًا..، أن الحوض لم يكن أكثر هدوءًا... بل كانت المزرعة أقل حياة.


    مجلة تغريدات النوارس
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع مجلة تغريدات النوارس .

    إرسال تعليق

    تابعنا

    تغريدات النوارس
    اعلان
    اعلان
    اعلان
    اعلان
    اعلان