هنا نابل .... بقلم المعز غَنِـي ... مجلة تغريدات النوارس
هنا نابل
بقلم المعز غَنِـي
رصيد الكلمة
ليست أعظم ثروة يتركها الإنسان مالًا، ولا عقارًا، ولا منصبًا، بل كلمة صادقة خرجت من قلب نقي، فإستقرت في قلوب الناس. فالأموال قد تُفقد، والمناصب تزول، والأجساد يطويها التراب، أما الكلمة الطيبة فتبقى شاهدة على صاحبها، تُذكره بالخير كلما مر إسمه على الألسنة.
الكلمة رصيد لا تنقصه الأيام، ولا تسرقه السنون، بل يزداد قيمة كلما مر الزمن.
هي نور يرافق صاحبه في حياته، ويبقى أثره بعد رحيله، لذلك قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، لأن الكلمة قد تكون صدقة، وقد تكون دواءً، وقد تكون حياةً كاملة لإنسان أوشك أن يهزم.
كم من كلمة أعادت الأمل إلى قلب أنهكه اليأس، وكم من عبارة صادقة رفعت معنويات إنسان كاد يسقط، وكم من تشجيع بسيط غيّر مصير شاب، وكم من دعاء صادق فتح أبواب الفرج بعد أن أغلقت كل الأبواب.
وفي المقابل، كم من كلمة قاسية كسرت قلبًا بريئًا، وأطفأت حلمًا جميلًا، وزرعت في النفس جرحًا ظل ينزف سنوات طويلة.
فليس كل الجراح تصنعها السيوف، بل إن بعض الكلمات تترك ندوبًا لا يراها أحد، لكنها تسكن الأعماق ولا تغادرها.
لسان الإنسان أمانة، فإما أن يكون مصدر رحمة، أو سببًا للأذى.
قد يزرع وردًا في القلوب، وقد يزرع أشواكًا لا تُقتلع بسهولة، لذلك كان العقل هو الحارس الحقيقي للكلمة، فلا تخرج إلا بعد أن تمر على بوابة الحكمة والضمير.
تأملوا المطر... ينزل بهدوء، لكنه يحيي الأرض بعد موتها، ويكسوها خضرة وجمالًا. وكذلك الكلمة الطيبة، تأتي هادئة، لكنها تنبت الأمل، وتحيي النفوس، وتنشر المحبة بين الناس.
وتأملوا النار إذا أشتعلت في الهشيم... كيف تنتشر بسرعة وتحرق كل ما أمامها. وكذلك الكلمة الجارحة، قد تُقال في لحظة غضب، لكنها تترك آثارًا قد لا تمحوها سنوات من الإعتذار.
هناك أناس إذا تحدثوا شعرنا بالطمأنينة، فكلماتهم بلسم للقلوب، وحضورهم راحة للنفوس، وهناك آخرون مهما تجمل كلامهم لا يخرج منه إلا الألم واليأس، لأن الكلمة لا تكتسب قيمتها من جمال حروفها بل من صدق قائلها.
قولوا الحق ولو كان بسيطًا، وكونوا أوفياء لوعودكم، وأجعلوا الصدق والإخلاص عنوانًا لكل حديث.
وإذا رأيتم مهمومًا فقولوا له: أصبر، فإن الله لا ينسى عباده.
وإذا صادفتم متعبًا فخففوا عنه، فلعل دعوة صادقة منه تكون نورًا لكم يوم تظلم القبور.
لا تستصغروا طيب الكلام، فرب كلمة صنعت أسرة، وأصلحت بين متخاصمين، وأعادت إنسانًا إلى الحياة بعدما كاد يفقد الأمل.
ورب كلمة كانت سببًا في إبتسامة يتيم، أو طمأنينة أم، أو فرحة أب، أو نجاة نفس كانت تبحث عمن يسمعها.
إن الرصيد الحقيقي ليس رقمًا في حساب مصرفي، ولا ذهبًا مخزنًا في الخزائن، وإنما هو كلمات الخير التي تودعونها في قلوب الناس.
فهذا الرصيد لا يخضع لتقلبات الحياة، ولا يعرف الإفلاس، بل يزداد كلما أعطيتم منه.
فإجعلوا ألسنتكم مصدر خير، وأزرعوا المحبة حيثما حللتم، وأختاروا كلماتكم كما يختار البستاني أجمل بذوره، لأنكم ستحصدون يومًا ما زرعتموه بألسنتكم.
وفي نهاية الرحلة، حين يرحل الإنسان ويغيب جسده عن الدنيا، لن يبقى منه إلا أثره.
وأجمل أثر يخلده في القلوب كلمة طيبة، ونصيحة صادقة، وموقف نبيل، ودعاء خرج بإخلاص.
وصدق من قال : الكلمة الطيبة صدقة
فاحرصوا أن يكون رصيدكم عند الناس وعند الله كلماتٍ تداوي ولا تؤذي، تبني ولا تهدم، وتجمع ولا تفرق... فالكلمة الطيبة هي أغلى رصيد يبقى للإنسان بعد رحيله.
بقلم الكاتب الصحفي المعز غَنِـي
بقلم المعز غني عاشق الترحال وروح الاكتشاف
تعليقات: 0
إرسال تعليق